لكل منظومة اجتماعية استراتيجيات ثقافية اجتماعية تحدد او تعيد تحديد المتطلبات الثقافية وقواعد السلوك لدي الأفراد والجماعات داخل المجتمع،بحيث تمنح المجتمعات تصويب دائماً في السلوك الاجتماعي الإنساني ، و تنطلق الفكرة الأساسية التي تقوم عليها هذه الإستراتيجيات هي ان السلوك الفردي تسيطر عليه ضوابط اجتماعية داخل المنظومة ، و تعديل السلوك الاجتماعي تحدده متطلبات ثقافية و قواعد سلوك لها ادوار محددة ، و فرض عقوبات و خلق معانِ جديدة او تغير معان راسخة في المنظومة الاجتماعية .
فالمجتمعات الإنسانية قد عرفت تلك الاستراتيجيات منذ زمن طويل ، و كان هذا الموروث إلى النهوض بتلك المجتمعات ، كما الحال في المجتمع الياباني الذي حدد معالم استراتيجياته قانون ( البوشيدو )و تعني هذه التسمية طريق المحارب و هو قانون أخلاقي قائم على سبعة محاور وهي : الاستقامة، والشرف، والاحترام، والصدق، والشجاعة، والبر والإحسان، والولاء والإخلاص. و هذا القانون هو الذي حافظ على التقدم المدني الإنساني في المجتمع الياباني منذ عهد الساموراي الذين ساهموا بشكل كبير في الأمن الاجتماعي و إبعاد اليابان في ذاك العصر و حتى يومنا الحالي عن الانحراف الذي تغوص فيه المجتمعات المادية ، و كانت القيم التي تحيط حركة مقاتلي الساموراي هي المخرج القيمي الحقيقي الذي ينعم به ، و ما حصل في الزلزال الذي ضرب اليابان مؤخراً يجعلنا نقف عنده لدرجة الذهول ، فروح الفريق الواحد و تلاشي الأنا و انعدام التفكير بالذات و ارتفاع مصلحة الواقع و المجتمع فوق كل مصلحة فردية ضمن الالتزام الأخلاقي الاجتماعي الصارم بقانون البوشيدو تجعل من الياباني في حراكه في الأزمات كجندي في كل ميادينه ، ينضبط في وقته و يحترم الأنظمة و لا يفكر بمخالفتها حتى في سره .
و في مجتمعنا الفلسطيني تحديداً تسود الدوغما العقائدية الثقافية و الفكرية التي تجعل من العقل الفلسطيني معطل التفكير و الإرادة و السلوك الاجتماعي في محدودية فكرية تجعل من الكثير من الأفكار كحقيقة مطلقة و لا يجوز مناقشتها ، فتحدد السلوك السائد في المنظومة الاجتماعية خارج نطاق العقلانية التي تتجاذب أهواء النفس البشرية في ازامات الواقع الفلسطيني ، و ان غياب العقلانية عن الاستراتيجيات الثقافية الاجتماعية المؤسسة لأي نظام اجتماعي قوي تؤدي بشكل فوري لتنامي المسلمات و المقدسات الفكرية ان كانت السياسية منها او الاجتماعية ، و خلقت من العقل الفلسطيني في أزماته المتلاحقة مومياء فكرية لا تستطيع الاطلاع على بكارة الموروث الاجتماعي العربي التي أقيم حولها سياج دوغما بعد التعاطي مع الأفكار المطروحة في الشارع الفلسطيني الثقافي منه و السياسي على أنها مقدسات لا يجب البحث فيها ، و أن التعاطي مع الأزمات من خلال مفهوم انا وحدي الحقيقة و ما عداي هو عبث ، كان له الأثر الكبير في اتساع رقعة هذا الغياب للعقلانية و التكفير المنطقي في واقعنا الاجتماعي و الثقافي و السياسي الفلسطيني .
ترى هل نحتاج في واقعنا الفلسطيني لقانون ( البوشيدو ) و إلى قدرة محاربي الساموراي ، لنحاول ضبط مجتمعنا و حراكنا الاجتماعي و السياسي و الثقافي ضمن التزام أخلاقي صارم .




1- Nawwâr



