هكذا أفهم الصراع أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب ..ناجي العلي
صعد الدرج ، أمام باب بيته وقف، استقام من هيئته المنكسرة،رتب قميصه و سرواله،ثم أخرج مفتاحه من جيبه و استعاد رجولته… ابتسم ابتسامة نصف عارية من الفرح ، فرك ذقنه بسبابة التعب ، تنحنح ، عدل ياقة قميصه ، و أدخل المفتاح في ثقب الباب وكان يتوقع أنه سيدخل من الهاوية إلى فضاء يدغدغ غريزة الراحة إلى حد الإفراط و الشجن . .
بدأت عروق الذاكرة تنتفخ كروحه المنتفخة بنبيذ الوطن و حرقة الانتماء ؟! .. الغبار يعلو كل شيء ، كراسة أسئلة باتت عتيقة بالية كثوب غجرية أيعقل اني سأموت قريباً قفز السؤال إلى رأسه ، و هو يعلق كل أحلامه على مسمار دق في حائط قلبه قبل الحائط ، أشاح بوجهه الجدار ..
- أحمق أنت .. و ستتدحرج على قرميد الأعراس التنكرية في المدينة المغتالة بطاعون الوطن ..
لم يعد في فراغ جمجمته كلام يعيد عنقاء عمره من رمادها ، كانت مدامع الشتات بسرواله البني كشتاء ، وهو يحاول أن يفلت من أسئلة تدق عنقه بسكاكين الصمت في غرفته الصغيرة …
- كيف قضيت عمرك و أنت من ولد في الخامس عشر من أيار ؟ وهذا التاريخ يحمل صفير الروح في وطنيتك المبجلة و في العام نفسه خمسة وسبعين و تسعمئة و ألف ، كانت بداية الحرب الأهلية في لبنان .. كيف يكون يوم مولدك كسقف متخم بندب الزمهرير ، الذي يخلق على كتف عمرك نهر النداء للنداء يرسم تقاسيم بخار الخيبة ؟ .
أشاح بوجهه نحو النافذة الوحيدة في غرفته ، و قال لشيطان رأسه : اصمت فأنت تسرق مني طحين الحلم ، و تطعم جياع الخيبة فيّ ، فلا تغطي وشم الله بين كتفي بغربال…
عاد الصوت في رأسه و صرخ بصوت الرعد لحظة انعتاق: .
- يا رجل القصص ، أنت لا تتقن إلا لغة الدهشة و سحب أكليل الورد من صدر الحقيقة ، منذ زمن و أنا أدرك أنك لا تستطيع الحراك لأنك مصاب بحزن الأنبياء و وهن اليتم وجوع الكبرياء ، تبتل دوماً برائحة البكاء الأبيض و أنت كائن رابض ضمن تمثال رخام أبيض ، ولا تستطيع أن تزأر كأسد مطعون في خاصرته بعد أن اقتلع من عرينه ، و لا تستيغ إلا لغة الحسام المكسور بعد أن قُتِلت جميع خيوله .. كيف تكون و أنت لا تشتهي في الدنيا إلا ملمس كفها ؟ و أن تلعب دور الملك يوروتاس وهو يزين تاج تاجيت بغار نوافذ العمر.. و يبقى الكحل الاسود يحيط بؤبؤ العين لديك ، تحن الى وطن لا يمنحك هوية الانتماء و تكيل له أبجديات الغرام . ..
**2**
بدأت طفيليات الكلام تنمو في خلاياه ، و تنتظر أن يمنحها الريح على أوتار قيثارة قديمة محمومة بالكبرياء … انظر أيها الساكن في رأسي .. قالها و هو يعدل جلسته على مقعده الخشبي الذي يزأر تحته كعواصف باردة ، وأردف :
بعض الأحاسيس تموت على حافة القلب و هي واقفة ، كشعب كسيح مصنوع من ورق ، لماذا تصّر أن تعيدني الى أرض قد نحرت شهداءها و سقت عشب انحرافها من دماء العذارى ، الآن نعم الآن قد تهدم كل سدود الفرح في رمشة صدر ..إنه الوطن يا شيطاني الذي يدفعنا ضريبة الرحيل حين يتلوا على قلوبنا قديس الألم أبجدية نون المنفى ، في أزقة نهر الأردن و دجلة و الفرات ، حتى يقول : و إن علقوك على جدائل هوية ما ، فأنت ستبقى القدح الفخاري الذي يبعث من أفق المنفى لسعات وجل لتتحول لأضحية حلم تقوده جحافل الغيوم إلى ما وراء الجحيم… …
هل تعتقد أن قضية الوطن قضية خاسرة ؟
هل تعتقد أن الوطن بالنسبة لي يلتهم النور النائم على ركبة حجر قلبي ، و يسرق أناشيد أوتانابيشتيم ، و يجعلني طريد الجنة ؟ …
فأنا يا شيطاني لا أغامر بامتصاص حلمة الهوى على نغمات الحب ، و هويتي تندثر رويداً رويداً ، و الجموع لم تعد تهوى استماع الأناشيد الحماسية و أصبح درويش لا يملك إلا صندوقاً يلملم فيه بقايا غبار الكرامة ، و عواصمنا تشتعل بنار التدجين و التطبيع ، و أصبحت أشعار أحمد فؤاد نجم ضرب من التخلف !.. سأحدثك عمن تركوا ديارهم قبل واحدٍ و ستين عام ولا زالت تراتيل الجراح تلوك قلوبهم الباردة ، و ما زالوا يفترشون الأرض بفتات الذاكرة البيضاء التي تعلن على منصة المزادات أن ما يحدث يحدث ليعودوا إلى ديارهم ، أنا مرهون لتاريخ النكبات و النكسات ، و قلبي و عقلي معلق على بلل الارض …
هل يفاجئك أن أخبرك أني أحمل هوية لاجئ ؟ و أني تركتُ خلف النهر حمامة الرب وهي تعجن الحزن خبزاً للعائدين ، و قبيلة و عشيرة و انحسار وجنة الغروب على بحر يافا ؟ و وجه أبي و هو مدثر بالأمل يخبرنا ( راجعين يا بنيي ) ؟ و عيون أمي المزروعة بخصل البرتقال في غيمة ثكلى ؟
نعم أنا لاجئ ، فيا مذلة المطرودين من السماء ، و أفقر خلق الله بالعسكر .. المدججين بالبنادق و الأمل و حناجر الغضب الملتهبة و هي تردد : زمجر بغضب .. و انتقم من أعداء بلادي ..
نعم تركنا في تلك الضفة إنسايتنا و حملّونا هوية اللجوء ….
فاليهود يا هذا قد استشرت عوالمهم الرمادية على أرض فلسطين ، و أسقطت معها كل الكرامة العربية على بطنها ، كم هو سيء طعم الغربة ، و أهازيج الحنين ، و أنا كل ليلة لا أعاقر النوم لأني يائس من عروبتي ، و لا تداهمني الا أصوات الغارات و القصف ، وعويل الأطفال و صراخ الثكالى و نباح جنازير الدبابات و هي تخترق المنازل ، و قعقعات البنادق و صراخ الأباتشي وهي تحول الليالي البيضاء إلى وهن أصفر ، يعتصر النوارس التي شنقت الفجر برائحة الحرية .. وحين يلعن الفجر تنفسه تذبل الدمعة الحمراء بأحداق قرميد الوجع ..
هل أخبرك أيضاً أني لا أستطيع التنفس و أنا موشوم بإشعاع الحزن العظيم ، بعد أن أخرج الأخ نابه و غرسه في رئة أخيه ليمنعه من التنفس بغزة ؟! و أصبحت الكرامة تباع في أسوق عكاظ ؟! و تصرخ فلسطين: أيها الخانعون ادخلوا الجحيم زمراً ؟..
فأنا لن أترنح على خريطة وجعنا وحدي، و هي تمزق على صدر جلالة الأبيض في البيت الأسود ، ولن أغرق صدوركم بهدوء مقيم كصحراء المغول، و تغدو حياتك كماء سلسبيل ، بل سأعتلي كتف الوادي و أخبركم كيف يغدوا الموت في بلادي حلالاً ، و كيف عمالقة السماء تحز جدران قلوبنا بشظايا القنابل ، فبعض الأوجاع يا هذا تستحق الجلد حتى لو كانت نيران حقدهم تحرق صبر أيوب .
** 3 **
ألصق شيطاني وجهه بوجهي ،و كأنه اكتشف القارة المفقودة فيه ، و عرج على ملامح الأحداق وهي متخمة بغصة هواءً مالح و دمع، وقال بابتسامة صفراء : ..
- وهي .. التي كتبت فيها أجمل ماكتبت ، و جعلتها في دهاليز الورق ، و أسقطت نورها على شجرة الفجر الأشم .. هل ستقنعني أنها وطنك ؟ هل ستجعلني أصدق أنها هزيع مطر يولد من غيمة جفاف عمرك ؟ .. وأنت لا تغفو كل ليلة إلا على فتات سكر حضورها في كل يومك .. أنت مسكون باسيخليوس يا رجل ! ولا تتقن إلا الميلودراما .. و تعيش الأسطورة و أنت تكسر معصم عشتار .. …
حاول إشعال سيجارته السوداء وهو يلعن شيطان حرفه ذات حنق ، واستقبل النافذة بوجهه وهو يحاول انتعال حلم جديد ، و بدأ يسحب الماء من عينه وهو يدعوه لإكمال الولوج لداخله أكثر فأكثر.. ..
أتعلم أيها الحامل في ذاتك خريف رائحة دهشة تهز كل جراح العزاء فيّ ؟ إنك لم تدركني بعد .. ..
هل تعتقد أن الجريمة الكبرى ذات الملامح المكتملة تكمن في أن تكتب لشخصٍ و يدك مشلولة عن التلويح للراحلين عن ثرى القدس لحظة إبعاد ؟ وأنت و أنتم تنظرون لهم نظرة حزن و شفقة ؟ و أنجاس الأرض يترنحون في انتزاع الخارطة لوطن غارق في الدم ؟ أتسأل هل ما زلتم مؤمنين بالسلام ؟ ..
- بخبث الثعلب قال : نعم ، و هز برأسه بطريقة استعراضية ..
يا معشر المساكين ، إن السلام بات قضية مكتملة الكفن ، حتى الحجارة تفيض بالسخرية منه ، أي سلام و نحن نعتصر الغضب عند مقتل طفل أبكم ، على حافة مقاطعة رام الله و جرعة ماء من غزة ، و نقول إننا صامدون ؟.. سحقاً ! أي صمود ذاك ؟ و إلى متى سنبقى صامدين ؟ .. أجبني ..
فلتعلم نحن العائدون مع غبار أحلام الثورة المجهضة في دهاليز القضية ، نحن شطر بيت شعر يعلن العصيان على فوضى الثوار الذين تحكمهم بروتوكولات الاجتماعات الأنيقة ، نحن الثورة على مانحي اليهود صك البراءة من شظايا الأجساد المحترقة ، نحن الصرخة التي ستهدم جدار الإسمنت المنيع ذا الألوان الزاهية ، ولا نحضر مهرجانات التصفيق .. صدقني .. وعلى شفاهنا الدم المالح في غزة ، إننا لسنا كطفيليات الشفق الوردي ، نحن المشردون ولا نملك إلا بيتأً بدون سقف ، لنفتح للوطن أفقاً يمتد إلى كل الفضاء ، فكيف لا تكون هي وطني و صدرها قد أشعل شمس مشكاتها ملتهبة ذات لقاء ، بذاك الفضاء المفتوح ،
………… يتبع






كان “رمضان” ذريعة لارجاء الشؤون…