الغرب أتجاه اجباري ، و من السهل التعرّف إليه . انبطح تحت السلك الشائك ، و زحف على ظهره ، اطمئن أنّ لا شيء موجود في المكان سوى أنوار يتوه شعاعها في عتمة الليل .
نهض … و سار …
تلك الرائحة تشبه الى حد كبير رائحة جسد ( ريتا ) و يؤكد لنفسه أن تلك هي الحقيقة . و في لحظة استرجع كل اللحظات التي مرّت عليهما .. و المطر يبلل شعرها ، تهرع الى جذع زيتونة تستظل من مطر منهمر ، يرمي بكل قوته الى قدميه ، يعدو ثوراً هائجاً ، يلتصق بها ..
و يهز جذع الشجرة ، يتساقط الماء الذي حبسته أوراق الزيتون و يلتفت ضاحكاً :
آه أين ستهربين ؟ فقط مكان واحد يحميك .
تضحك و تسأل : أرجوك أين ذاك المكان ؟
يتجهم قبل أن يجيب :
- قلبي
لا يدري و هو مقدم على عمل لا يحمل من الأمان بقدر ما تحمل نخلة من حبّة برتقال .
أثناء المسير لم يتذكر أنّ رفاقاً أربع يسيرون خلفه ، و كأنه ليس كرّازاً يتحمل مسؤولية ما ، لقد أغرقته سنون الغربة بوحشتها ، لم يكن يشعر بأن أي مكان يسكنه أو يأتيه جدير به .
بقي مشدوداً و الحبل السري يربطه برحم ذاك الجبل البعيد ، في تلك المغارات خبأ روحه ، و على تلك السفوح زرع بعضاً من تاريخه ، أصدقائه الشهداء يراهم مصابيح أشعلت بدمائهم ، هل يا تري هذا الذي يسمعه في انتصاف حركته، ارواحهم جاءت تزفه ؟ أم هي نداءات ( ريتا ) أرسلتها حرزاً يطوّق روحه ؟
كم من الوقت مر ؟
انتصب النهر أمامه …
وصل الرفاق ، امتشق حبلاً و مرساة صغيرة ، تأكد من رسوخها و بدأ العبور .
عندما لامست قدماه سطح الماء ، تدفقت أسراب من السمك باتجاه حركة الماء ، و اقتربت من ساقيه ، و بدأت بتجربة القضم و استمر بتحريك جسده ضارباً الماء بحذائه ، تمسك بالحبل ، صرخ رفيق خلفه :
ما أبشع أن يقضمك السمك .
وصل الضفة الاخرى .
كان ( حسين ) قد فقد جزءاً من لحم ساقه ، و بدأ الدم يلوّن سرواله ، و بسرعة تم تطهير الجرح و ربطه كما يجب .
- قال ( محمد ) : ما أجمل أن يموت الانسان بين أنياب أسماك كهذه ، و لكن إذا مات هل يسجّل شهيداً ؟ .
التفت ( عادل ) قائلاً : كل الطرق تؤدي الى الجحيم. جمعوا أشياءهم و تابعوا ..
بدأت المصابيح بالاقتراب ، و بدأ الجبل بالزحف تجاه الشرق ، و المغارات ضاقت بكل الارواح ، و أطلقتها في عرس القادم …
بدأت طرقات الجبل الضيقة تفك طياتها ، تتدحرج ، تمد بساطاً من تراب وطين ..
كان يصعد و الطريق يعانق السماء ، لحظة إذا التفت الى الخلف ، لم ير شيئاً سوى ظلام يلف السهل ..
بحث عن لحظة ، حاول أن يتذكّر حادثة ما ، كان كل شيء قد سبقه الى الأمام ، أعاد اتجاه سيره و انطلق ..
عند القمة توقفوا ، هنا سنرتاح ، توزع الرفاق .. بحث في المكان ، صعد على جذع شجرة خروب وأسند رأسه لتقاطع فرعين ، و بدأ العد .. و قبل أن تلامس خيوط الشمس الأولى أي مكان في الجبل ، لا مست جبينه المتعب .
فتح عينين أرهقهما المسير و الظلمة ، سمع صوتاً يناديه ، لم يكن بعيداً ، كان يقف قبالته طائر حسون ، حدّق ، نظر الحسون إليه ، تبادلا النظرات استوحى من حركة عين الطائر و غشاء عينيه ، أن زمناً مر لم يرى أحداً ، ولا يفزعه وجود ما و كأنه اعتاد الغربة ، و الوحشة ، و الوحدة ، و وجد صديقاً لا يخافه كما لا تخشى الدجاجات زميلاتها .
صدح الحسون ، و عزف على أوتار صوته أنغاماً أثارت فيه شجناً و أُنسة و كأنه صديق لهذا الطائر الجميل .
حاول أن يقترب منه ، دفع رأسه الى الامام ، اقترب أكثر ، حرّك الطائر رأسه ، و كأنه يبحث عن شيء في هذا الفضاء ..
لحظة إذ أيقن أن الحسون مسكون بالشهداء .
كيف ازيح الغبار عن وجهي ، و ابدأ نهار بعد أن نمت ساعة و انا أحاول ان اعيد هيكلية أشياء تغوص في فكرة أخرى ، كيف نحيا و نحا لا بر لنا و لا بحر … لا شيء سوى جثة أخرى هذا النهار ، في شظايا الخراب لا تتقن حياكة ملابس الحنين الا بمرارة القمح في حقولنا ، لا شيء حولك سوى أن تحيا وحولك غيم من فولاذ ، و جلدك لا يتسع الا لصدأ حديدة تمزق لحم حلم الرماد ، حلم الرماد يستنزف من قلبي عمق العظم القابع قيد حياة أو أدنى ، وعورة الحنين تحمل في منتصف النهار اسمها ، في كوكب يعج بحكايا الزمن المتعفن في جسور معلقة أعلى الروح و ادنى الجسد . الى متى سننتظر نصراً و لو بطول نصف متر و لو بطول نصف متر ، كطول بعض المتخاذلين و على مقاسهم ، الى متى سننتظر ان تدب الروح في هذا الخراب ، كيف أمرن روحي على البرود و اللامبالاة و أن أكون أكثر سخرية من صاحب سأخون وطني ، و كيف أفرط في قضم عقارب الوقت في ضم صدى الجنون ، الى متى سأظل أتقن فن ألباس الخريف ثوب الربيع وشعبي ميت تحت الحصار ولا شيء يرفع ذقوننا نحو القبة الزرقاء فخراً الا عاصفة الهدير المبحوح فينا و ما تزال حنجرة الاه تنتظر رتقاً ، هكذا هم الغرباء لا لسعة دفء و لا شيء سوى الخراب .. فلا تبحثوا داخل صدري فلن تجدوا الا درويش وهو يتنقل داخل الذاكرة بلا شمس ولا ضوء و هو يهتف ( يا الله جربناك جربناك ) فينتعل جوى صحراء الوحدة في روحي و انا أحاول النداء على انبياء الارض علهم يجدوا جذور الزيتونة العتيقة .. أشعر بالاختناق و اشعر ان الماء مالح كحال الحلم المبجل ، كيف استطاع الماغوط ان يكتب سأخون وطني و ان يرفع ناجي البندقية رغم كل ذاك الخراب ، و نحن لا نفكر سوى بالرضاب ، ولعل ذاك الخراب ينمو على أوتار غربتنا التي صنعت بأكف من أبتسم في وجه يسوع و قبله القبلة الاولى القاتلة في التاريخ ، أقبت كل أمسياتنا محنطة بماء فاتر وغيم أسود يضغط على فم الصدر ، و يحولنا الى قصب سكر يتمايل مع كل صمت و هتاف ، و يبقى الخراب يذكرني بأن العمر قد مضى سريعاً و لم يعد في رأسي سوى الصداع نفسه و اقلدرة على هضم الحروف و حقول الزعتر .
بتاريخ 28/12/2009 دخلت قافلة ( تحيا فلسطين ) الاراضي السورية عائدة من ميناء العقبة الاردني بعد عدم السماح لها بالعبور لقطاع غزة ، و أثناء مرورها في الطريق الواصل بين حمص و دمشق ، قمنا بمتابعتهم لحدود مدينة الاذقية كي نسلمهم بعض الهدايا التي جمعتها طفلة صغيرة لم يتجاوز عمرها الخمس سنوات كهدية لاطفال غزة ، و شعرنا بمدى المسؤولية التي تقع على كاهلنا ، و مدى تقصيرنا تجاه أهلنا المحاصرين في قطاع غزة منذ عام /2007/ فكان الفضل للطفلة الصغيرة في سطوع فكرة قافلة مساعدات طبية و غذائية لاهلنا في القطاع الصامد ، على اعتبار ان المناضل الشريف جورج جالوي ليس أكثر مصداقية من سليل قحطان ، و هذه الفاعلية التي هدفها جمع المساعدات العينية والطبية والإنسانية لتخفيف معاناة أبناء قطاع غزة المحاصر وكسر الحصار المفروض عليه و حاجة القضية الفلسطينية إلى المزيد من التضامن لتأمين المساعدات للشعب الفلسطيني وتعرية سياسات الاحتلال العدوانية ضد الشعب الفلسطين. بعد فترة تدمير ممنهجة من قبل العدو الصهيوني ،وخلق معاناة لمليون ونصف المليون مواطن محاصر في قطاع غزة. ، و خاصة إن مخازن وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة تعاني من نقص حاد في الأدوية الأساسية وخاصة المتعلقة بأصحاب الأمراض المزمنة وأمراض القلب وكذلك المتعلقة بالأطفال” الخداج” حديثي الولادة علاوة على نقص في العديد من المهمات الطبية، حذرت وزارة الصحة من حدوث كارثة حقيقية جراء نفاد محاليل غسل الكلى بالكامل من مخازنها مما اضطرها لاستخدام معقمات الأجهزة المنتهية الصلاحية، الأمر الذي قد يعرض للخطر حياة المئات من المرضى في القطاع. و إن الأدوية الخاصة بإنقاذ حياتهم نفدت تماما، وإن أجسام العديد منهم تتسمم بسبب عدم توفر العلاجات، وعدم قدرة أهالي المرضى على شراء الأدوية لتكلفتها العالية. وحسب وزارة الصحة فإن الأدوية المفقودة، وهي من نوع Cyclospani + Cell Sept، تعتبر الوحيدة القادرة على إنقاذ حياة المئات من المرضى. كما حذرت من تعرُّض حياة أكثر من أربعمائة مريض ما زالوا يرقدون على أسرَّة العناية الفائقة في مستشفيات القطاع، لخطر الموت خاصةً مرضى الكلى بسبب رفض سلطات الاحتلال إدخال الأدوية والمهمَّات الطبية العاجلة والملحة إلى القطاع. و تجدر الاشارة أنأشار إلى أن مشافي القطاع بحاجة إلى 141 صنفا من أصل 450 صنفا من الدواء فضلاً عن 116 نوعاً من المستهلكات الطبية باتت مفقودة تماماً من صيدليات مشافي غزة. و انطلاقاً من هذه الارقام و الدراست فأن هذه القافلة قد تمنح الحياة بعد الله سبحانه و تعالى للعديد من المرضى في قطاع العزة و الكرامة ضمن تأمين احتياجاتهم السيطة من الدواء و الاجهزة الطبية و المستلزمات الجراحية ، انطلاقاً من الدافع الانساني و القومي من خلال احساسنا بسمؤولية تلقى على عاتقنا أمام ابناء قطاع غزة المحاصر . فنحن كعرب بمسلمينا ومسيحيينا نلمس معاناة مليون ونصف المليون إنسان يتعرضون للقتل والحصار في قطاع لا تتجاوز مساحته مئات الكيلو مترات.. نحاول مدهم ببريق أمل و شريان حياة لعل ضمير المجتمع الدولي يستيقظ ليفك الحصار عن الشعب العربي الأعزل في قطاع غزة …فبرغم كل الاحداث الجسام التي تعرض لها الشعب الفلسطيني المصابر في قطاع غزة .. ورغم الحرب الإجرامية الصهيونية عليه .. ورغم الحصار الخانق المفروض عليه لأنه اختار حياته ونهجه فكانت هذه المبادرة لفاعلية قافلة المساعدات تحت شعار ( هدية من أطفال الشام الى أطفال غزة ) لنوطد من خلالها الشعور الانساني القومي لدى أطفالنا و ارتباطهم مع قضية فلسطين كقضية مركزية ، و القيام بواجبنا و مسؤولياتنا القومية و الانسانية و الدينية تجاه المحاصرين ، فكانت أهداف القافلة تتلخص : 1 – اعادة الحياة .. لشعب مسجون .. مقهور .. مظلوم 2 – تقديم المساعدات الطبية العاجلة للقطاع . 3 – العمل على تقديم احدث الاجهزة الطبية القادرة على مساعدة المستشفيات على القيام بدورها الانساني . … يتبع
تعبر الاراضي السورية .. و تصل لميناء الاذقية .. و ستبحر نحو العريش ..
رافقناهم في الطريق من الحدود الاردنية حتى ميناء الاذقية ، كانوا الاكثر حرية و الاكثر انسانية .. صافحناهم فرداً فرداً .. و حملناهم السلام لكل حجر و شجر و بشر في القطاع العزيز…
إنه الشهيد البطل أحمد موسى إبراهيم الدلكي أول شهيد لحركة فتح، وقائد عملية تدمير نفق عيلبون بتاريخ 01/01/1965م.
اختيار مجموعة التنفيذ:(1)
بعدما وردت التقارير الاستطلاعية من الأرض المحتلة موضحاً فيها بدقة كل تفاصيل المنطقة المحيطة بالهدف من بداية سير نفق المياه في الشمال الغربي لبحرية طبريا مروراً بالقرب من مغار الأمير ثم ياقوق ويتعرج بالنزول حتى كلانيت ليصب في بحيرة الصلمون الصناعية وفي نهاية البحيرة العميقة يوجد سد مغلق يمر منه فتحات لتشغيل توربينات محطـة توليد الكهـرباء والتـي بدورها تدير مضخات الدفـع لتمـرير المياه عـبر الأقنيـة بعـد قريـة عيلبـون من تحت سطح الأرض.
وبينت الرسوم والكروكات المرفقة مع التقرير أماكن تواجد المعسكرات وبرنامج عمل دوريات الحراسة موضحة التوقيت والفترات الزمنية بحساب دقيق الذي يفصل بين كل دورية وخط سيرها.
ومراعاة لكل هذه الظروف، دأب المجاهد ياسر عرفات على دراسة خطة محكمة بأسلوب هندسي يهتم بأدق التفاصيل ليحقق النجاح التام للعملية مع ضمانة وصول المجموعة وعودتها سالمة، واهتم، كذلك بأن يعطي الانطباع للعالم أجمع أن المقاومة الفلسطينية الوليدة بإمكانها أن توقع الخسائر المادية القائمة في كل منشـأة وموقع تصل يد المقاومة له وحتى لا يتمكن العدو من تطـوير مشاريعـه الاستيطانية.
قبل نهاية أيام عام 1964م كان قد تم اختيار أربعة مجاهدين أشداء من ذوي الاختصاص والتدريب الجيد للقيام بتنفيذ المهمة وقد تم تأمين الدليل المتمكن من معرفته لطبيعة الأرض المحتلة في المنطقة ما بين طبريا ومدينة صفد حتى الحدود مع شمال الضفة الغربية.
خطة سير العملية:(2)
- وصول مجموعة المجاهدين الأربعة إلى خربة ناصر الدين قضاء طبريا بالزي المدني وكان بانتظارهم العنصر الخامس وهو الدليل الذي كان متخفياً على شكل راعي مع بعض من أغنامه.
- الوصول بالقرب من كفار حطين مكان وجود النقطة الميتة المدفون تحتها الألبسة الخاصة بالعملية وحقيبة المتفجرات والأسلحة وهي عبارة عن بندقيتين سينوبال ورشاشين كارول وحقيبة قنابل يدوية ومجموعة مخازن ذخيرة.
- الوصول إلى منطقة المجدال القريبة من شاطئ بحيرة طبريا وبعد التفتيش بين أشجار الشاطئ عن مكان مناسب للاستراحة والمبيت وبعد ترتيب الحراسة أمضى المجاهدون ساعات الليل الأولى على دراسة الخطة وتوزيع المهام ليعود الدليل مع أغنامه لمسح الآثار وتواعدو معه على أن يلتقي مع المجموعة وهم في طريق عودتهم عند قرية الشجرة.
بداية تنفيذ العملية:(3)
- تحركت المجموعة عبر الوادي المؤدي إلى عين رافيد، وتحت ثيابهم البدوية أخفوا الأسلحة والمتفجرات ومن بين شجيرات الوادي الكثيفة وصلوا إلى موقع العين ونصبوا كمينهم الأول تحضيراً للانتقال إلى الموقع.
- وعند حلول الظلام تم توزيع المهام فيما بينهم وأرسلوا أحد العناصر للاستطلاع ومراقبة الحراسة القائمة على موقع الهدف، وباشروا بتحضير المتفجرات والتأكد من سلامتها ومراجعة خطة التنفيذ بانتظار انقضاء منتصف الليل لحين عودة الراصد الذي أكد لهم أن الخطة المرسومة تسير على ما يرام وحدد لهم مواقع الحراسة القابعة في أماكنها لأن الليل كان بارداً جداً وأصبح الهدوء يسود المنطقة بعد نهاية الاحتفالات بقدوم العام الجديد.
- وصول عناصر التنفيذ إلى موقع الهدف، واتخاذ المجموعة كمينها، واستحكام كل مجاهد حسب موقعه في خطة الهجوم، وقبل آذان الفجر كان مهندس المجموعة البطل أحمد موسى الدلكي قد أتم زرع المتفجرات عند جدار النفق وبين المضخات وتوربينات الطاقة الكهربائية وقد حدد توقيت التفجير لينطلق بعد 45 دقيقة لكي تتمكن المجموعة من الانسحاب إلى المرتفعات شمال منطقة الهدف لمراقبة نجاح التفجيرات.
- وصول كامل عناصر المجموعة، وبعد 10 دقائق دوى صوت الانفجارات عالياً وشاهدوا أنوار النيران المشتعلة بالمحطة، ويبدو أن الحراس قد أصابهم الفزع لمدة 20 دقيقة حينما بدأ صوت منبهات الإنذار تعلو وكان هذا مبشراً على نجاح العملية، وتمكنت المجموعة من التسلل عبر الوديان وخلف المرتفعات من شمال دير حنا وأتموا مسيرهم حتى وادي عرابة ومن خلف جبل البطوف تفرقوا للوصول بأمان مستغلين قلة حركة السـير على الطـرقات باعتباره اليوم الأول من السنـة الجديـدة.
- نقطة الوصول عند موقع قرية الشجرة ليجدوا الدليل بانتظارهم وكان قد استطلع ما حدث ليلة التفجيرات وأخبرهم أن دوريات الجيش الإسرائيلي قد انطلقت من معسكر زيتيم باتجاه عيلبون، وبأن المروحيات العسكرية حلقت من معسكر يفائيل فقررت المجموعة أن تتحرك بسرعة للوصول إلى قرية زبوبا شمال مدينة جنين وعند حلول الظلام وعند أول الشريط الفاصل بين الضفة وحدود 48 غادرهم الدليل لإخفاء الثياب والأسلحة وتفرقت المجموعة للعودة إلى قواعدها بشكل فردي حيث أنهم لاحظوا أن الدوريات الأردنية شمال جنين قد ازدادت حركتها وتمكن ثلاثة من المجاهدين من الوصول إلى قواعدهم سالمين باستثناء المجاهد أحمد موسى الدلكي الذي علم لاحقاً بأنه استشهد.
خسائر العدو:(4)
حسب ما جاء على صفحات الجرائد العبرية بعد يوم من وقوع العملية في عيلبون ذكر الناطق الرسمي بوزارة الدفاع الإسرائيلية أن الانفجار قد عطل المحطة ودمر مجموعة الطاقة الكهربائية وأحدث التفجير فتحة كبيرة في جـدار سـد بحـيرة الصلمون، وقد تبين بعد مدة أن تصليح الأضرار بالمحطة استغرق ثلاثة شهور.
وكان رد فعل رئاسة الأركان الإسرائيلية كما ورد على لسان اللجنة العسكرية المكلفة بالتحقيق في عملية عيلبون أن رجال فتح قد نفذوا العملية بتقنية عالية وخبرة لا يستهان بها وعليهم أن يأخذوا العبرة من تقدم أسلوب عمل رجال المقاومة وقد انتهت العملية صباح يوم كانون ثاني 1965م.
وفيما يلي أسمـاء الذين اشتـركوا فـي عملية نفـق عيلبون مـع الشهيد أحمد موسى الدلكي:
1/ محمد العبد الله الدلكي 2/ حسن الحميدي الدلكي
3/ حسين غورو الدلكي 4/ وحش إبراهيم الدلكي
الهوامش:
(1) اللواء محمد الناطور “أبو الطيب”. معركـة الكرامـة. ط1 (عمان: الأهلية للنشـر والتوزيـع، 2009م)، ص 28 – 29.
(2) المصدر السابق، ص 29.
(3) المصدر السابق، ص 29 – 31.
(4) المصدر السابق، ص 31.
أرسم الجرح فقط
ثم يدعوني… الرحيل
أكتب الشعر نزيفاً
فوق شمس المستحيل
وأغني رغم أنَّ
الصوتَ يكسوهُ العويل
وجهك الحلو المدْور
شاء لي هذا القدر
شاء لي درباً طويلاً
ـ يُتعبُ الدربُ الطويل
خط من عمري عذاباً
وحراباً وصهيل
صرت إن أنوي رحيلي
قد أُفاجئُ بالرحيل
* * *
وجهك ذاك المُعبق
بالمساماتِ الرقيقة، والخدود
وجهك ذاك المنمق
شاء في قلبي الحريقة.. والجحود
آه منكِ… كم تلاني
بعدك حزن
وكم قصفت رعود
آه منكِ. إنك بعثرت أوراقي
الجملية والجهود
بئس ذاك القلب، قلبي
والمواويل تُغني
رغم أن الصوت يُنبيءُ… بالبرود.
أزهر الحزن يا فاطمة ، أزهر الحزن كبقايا مسافة عجنها حزن النبي سليمان .. البيت طار ، نسفوه .. نسفوه يا فاطمة كفردة حذاء جندي بجورب قديم قد تحول ملحاً أسودَ يعطش .. الولد راح ، قتلوه ، قتلوه يا فاطمة كشاطئ مدينة ثلجية لم يتحرك قلبهم وهو يرفرف أمامهم كعصفور شتاء مقصوص الجناحين … و الآن قولي لي ماذا أفعل يا بنت الحلال .. هل أقف هكذا طويلاً أمام ركام البيت أندب حظي و اقرأ أيات السخط على قلوب العالم و أبكي ولدي الذي يعتقد المعزون أنهم يدملون إحساس النار ببقعة ماء من رئة الصمود .. أولاد الكلب لم يتركوا لنا شيئاً .. لو كان باستطاعتهم أن يسحبوا الهواء حتى لا نتنفس .. لسحبوه ..و زادونا حطباً و يبقى الحزن رضيعاً مهزوماً .. ماذا أفعل يا فاطمة .. ما عاد عندي صبر … أشعر بالذهول .. زمن مثل القطران … الشيب صار أكثر من أيام العمر يا فاطمة .. ماذا أفعل يا بنت الحلال .. ماذا أفعل ؟؟؟
هذا الصباح لم تقم فاطمة لترتب الخيمة كما كانت تفعل كل يوم فقد سكن المكان الضباب و عبد المجيد ينتظرها كي تثمل روحه من كسر مطر ، حضورها .. كانت تنظر إلى البيت القريب المكوم على بعد أمتار و تتنهد و تهتف الله أكبر و الحزن يهبط و يهبط و يهبط .. تحاول قدر المستطاع أن تشرح لعبد المجيد أن ذهوله هذا لا يفيد لأنه موتاً هادئاً ، لكن دون جدوى .. البرد كان كثيفاً جدا و هو كان يروح و يجئ و كأنه مربوط بخيوط تحركه من بعيد و لم يعرف أن الدفء لا تأتي به الذاكرة و لا ثقل الملابس .. كلامه ما عاد مفهوماً .. تصرفاته صارت أغرب من أن تفسر .. ينظر في وجهها طويلاً و يتنهد و الحلم أصبح أعمى و الواقع أعرج.. يدور حول ركام البيت و ينوح و قلبه أصبح أصغر و غير قادر على الغناء .. ينادي الولد الذي استشهد بصوت مجروح بعد أن تركه مذبوحاً.. وحيداً لا يملك إلا البرد و الريح .. يطلب منه أن يقوم ليرى ماذا فعل أولاد الكلب بهم و أن يفتح له معه النافذة الأخيرة في سماء المخيم نحو الله .. و فاطمة اليوم لم تقم .. يطلق كلماته في الفضاء المخنوق ويدخن بشراهة ويفتح فمه وجعاً و يكسر أخر كوب ماء و يشتم محمود عباس و يبصق في وجه مبارك …
الولد مثل كل أولاد المخيم حمل الحجارة و رماها على المحتلين .. الولد مثل كل أولاد المخيم هرب من رصاصهم وهو يقصف كبد الفقراء من أمة محمد و عيسى … كان يراهن أن الصباح سيلد عصفوراً بجناحين من ذهب و يفجر كل صغار الحزن في وجه المرايا التي تبقي الأحلام خرافة .. أحلام الفقراء فقط ..
و كان يراهن أن البحر سيعود جميلا كما كان ، و أن عروس البحر ستطل ذات يوم و تغني أغنيتها الساحرة .. و يقفل عينيه و يشعر أن كل الاشياء توقفت إلا صوتها .. يقول الأصحاب يا مصطفى أنت ولد كثير الأحلام ، مشكلتك أنك وحيد والديك ، عرفت الدلال حتى مللته وهل يخشى البحر العطش ؟ .. كان يغضب و يصر على أنه مثل أي واحد منهم و أنه وشم حلم شهي مثلهم .. و ما كان يهمه غضب الوالد و الوالدة حين يفر لاهثاً من أزيز الرصاص .. رصاصة واحدة كانت كافية لتجعل فاطمة و عبد المجيد في حالة ذهول … وأصبح للبيت أجنحة ملائكة وطار حاملا معه أجمل ذكريات العمر ,وهطل منه دمعة شقية كونت خيمة صغيرة تبني ذكريات جديدة .. صار خيمة لا أكثر و لا أقل …
عبد المجيد يحوم حول فاطمة و يحكي : فاطمة تركت كل شيء و رحلت بعد أن ملت هذا العالم المليء بالظلم .. و مصطفى وحيد والديه صار عصفوراً يحط على أسلاك الكهرباء و يحاول أن يقول للوالد الذاهل أن فاطمة ما عادت معه و أنها لن تعود فلم يعد في جعبة الكلام أي حرف من الأبجدية الهزيلة و مدامع الحزن قد توقفت .. وحدها الخيمة كانت تئن من برد و رعد و زمهرير .. وحدها الخيمة كانت تشكو من كثرة الثقوب و الشقوق و الجراح .. خيمة من قماش لا تحتمل مثل هذه العواصف .. لذلك قررت أن تفعل شيئاً ، خيمة لا تحمل بين جنباتها إلا بعض خدوش من هذا الزمن الفاني, لا تحتمل مثل هذه العواصف ، وقبل أن تنقذ تدثرت وفي أعماقها تجاعيد الحزن.. الخيمة طارت .. لم تأخذ فاطمة الممددة معها .. ولم تأخذ عبد المجيد الذاهل معها و قبل أن تنقذ كانت طعاماً للريح .. الخيمة طارت .. لم تأخذ فاطمة الممددة معها .. ولم تأخذ عبد المجيد الذاهل معها .
أراد العصفور الواقف هناك على أسلاك الكهرباء أن يعود والداً ، فما استطاع .. أرادت الخيمة التي أصبحت دمعة في مهب الريح أن ترجع ، فما استطاعت .. أراد عبد المجيد أن يأخذ فاطمة إلى مكان آخر أكثر دفئاً و أماناً ، فما استطاع … وحده الرصاص كان يزغرد في الجو .. وحدهم جنود الاحتلال كان يطيب لهم المنظر ، و كانوا يضحكون .. يقتربون من عبد المجيد الذاهل و يضربونه لمجرد التسلية … خمسة كانوا .. اللعبة أعجبتهم ، فصاروا يمرون كل يوم .. و يضربون عبد المجيد على رأسه .. ويأمرونه أن يدفن فاطمة كل يوم …
العصفور الواقف على الأسلاك كان غاضباً .. و الركام الذي كان بيتاً في يوم مضى كان غاضباً .. و الخيمة التي لاكتها الريح و مزقتها كانت غاضبة .. حتى الجثة التي كان اسمها فاطمة كانت غاضبة .. و الأرض التي تلقت قطرات الدم من رأس عبد الحميد مرات و مرات كانت غاضبة .. وحده كان صامتاً .. يجيء الجنود الخمسة و يذهبون و يبقى صامتاً ، يضربونه بتلذذ على رأسه و يبقى صامتاً …عيناه صارتا جمرتين ، يداه صارتا خيمتين ، و القلب صار طائراًً من نار ….
لا شيء تغير في المكان .. الركام ما زال ركاماً … فقط تحركت بعض الأشياء و تبدلت .. العصفور الذي يقف على أسلاك الكهرباء ما زال هناك ، لكن الأمر ما كان إلا ينفش ريشه و يضحك .. و الخيمة التي لاكتها الريح و رمتها بعيداً إلى قطع مازالت كما كانت ، لكنها لأمر ما تفخر أنها ضمت عبد المجيد و فاطمة فيما مضى .. فاطمة واراها التراب و أصبح لها قبر مزين بأغصان طرية من شجر قريب .. صار قبرها قوياً صلباً يستطيع أن يقاوم الرياح و الزوابع و البرد .. و حده عبد المجيد غاب .. ما عاد يعرف أحد أين هو .. قلبوا الأرض بحثاً عنه فما وجدوه .. صار حكاية ..أسطورة .. و هناك قرب ركام البيت ، في حفرة للقمامة و الأشياء المتعفنة .. كانت خمس جثث لجنود كانت أحذيتهم مثقوبة .. و كانت الضحكات قد غادرت وجوههم إلى الأبد ..
ومض الذاكرة يقلق الحلم المؤجل من ملحمة الوجود الإنساني على الأرض ، حيث يدفعك للبوح لزمن تجرعناه مرا…. لكنه تنصل منا .. نحن الذين سكنتنا الأحلام مبكراً ..
يوم كانت أصواتنا تخترق القبة الزرقاء عالياً … ( بلاد العرب أوطاني ) و منذ البدء تلعمنا أن الإنسان موقف يرتبط بالكرامة ، و أن الوطن على امتداد ترابه المقدس ، يعني الانتماء .. و أن لا شيء في الدنيا يساوي كرامة الإنسان ، و عرفنا مبكراً أن الإنسان يموت واقفاً ، كشجر الحور و السنديان … فلسفة تشربناها ماء عذباً ، و تعلمنا من التاريخ ، أن أحلام الشعوب .. لا تموت مهما اشتد حصار الزمن الموجع بشعاراته الجديدة التي انتشر ضبابها الرمادي على مساحة الكون لتنهال علينا مطراً أسود .. إنهم يمدون لنا و نحن تحت ضغط الذهول كل ما هو مكروه ، و ممقت … كي ننسى ماضينا .. أحلامنا .. متجاهلين ما نملكه من طاقات بشرية تتوق إلى الحرية .. و تتطلع إلى الاستقرار و التقدم مع باقي شعوب العالم .. انهم يحاصرون أفكارنا ..لغتنا .. يقضون على أحلامنا .. يراقبون حركات شفاهنا .. لم نعد ندري متى نتكلم .. بل و متى نصمت .. حتى الصمت يعتبرونه أحيانا موقفاً مغايراً لمخططاتهم .
في محراب عشق الوطن .. تحترق مراحل النضوج الفكري للإبداع و تتوحد المشاعر في بوتقة الحلم .. و العاشقون كالقابض على الجمر .. تنقفل ذاكرتهم .. و ينكتم الصوت بداخلهم .. لا صراخ .. لا أغاني ، ينحبس الدمع في المآقي المشتعلة كجمر الموقد القديمة .
عندما تنفرد بذاتك يطالعك الحلم من جديد .. تنبش الذاكرة .. يواجهك شيء من الدهشة .. لما تراه .. و تسمعه .. و تقرؤه ، لم يكن متوقعاً ، تحرك بعض أجزاء جسدك .. كي تتأكد أنك حي .. ثقل كالكوابيس المفزعة تجثم على صدورنا .. فوق أرضنا العربية .. تعاودك الأسئلة الموجعة ، و يفترشك الحنين إلى الحلم و التواصل .. ملايين الشفاه ترتل ألحان العودة .. و حب الوطن ، تردد شعارات التحرير على شفاه الطفولة بطهرها المصفى .. و هم يواجهون أحداث معدات القتل و التدمير الصهيوني الغاصب ، بسواعد عارية .. و سلاح بدائي ..!!
تحاول من جديد أن تخرج ذاتك من بين دوائر الحصارات و الخوف و الاتهامات .. و تاريخ سكبت عليه محابر المصوغات الفكرية الجديدة ، تحت وابل من شعارات للتعامل مع الآخر!! قبل أن تعلم عن هذا الآخر شيئاً ..
يريدون أ، تنكر ماضيك .. تاريخك الحضاري .. و رايات الانتصارات .. فيكرسون وقع الهزائم ..
تعتريك الحيرة لماضي يشعل داخلك .. و يستبيح صمتك .. يدفعك للبوح الكتابي …! و على شفتيك سؤال حائر …؟ ماذا تكتب في هذا الزمن ؟ قد يكون ما تكتبه غير مرض … و غَير مرغوب فيه .. تحاول أن تجتاز كل التحذيرات التي تقفل عليك و على لغتك و أفكارك .. بدوائر الاشتباه الحديث لما هو ممكن قوله .. أ, كتابته .. ربما يعتبرونه / من ثقافة الإرهاب / أو تحدياً لمسمياتهم الجديدة .. و التي علينا أن نتقيد بها .. و مع هذا قد لا يعجبهم فيجدون ما يتهموننا به ..!! يريدون أن نسلم أجيالنا القادمة لقبول كل ما هو مطروح عليهم … يهيم فوق رؤوسهم الصمت ، و يلف ذاكرتهم النسيان .. و عليهم نكران حتى أحلامهم .. و أنت قلق حائر يستعيدك الحلم من جديد .. أمام وهج يتفجر على امتداد أرض البطولات .. يخترق كل الغيوم الداكنة المحملة بالوهم و الممطر بالخوف .. وهج يضيء الأرض و السماء .. لفتاة أخرجت روحها من تقاليد الأنوثة ، و تراكيب أدوات التجميل .. حفظت قانوناً لا يفهمه الغرب المتحضر .. اقتبسته من حقها في الدفاع عن أرضها .. وعن عرضها حيث يمارس القهر الصهيوني العنصري عنجهيته في القتل و التدمير ، لنضارة الزيتون و الليمون .. يهدم البيوت فوق أهلها .. يقتلون الإنسان لأنه إنسان …و إلى ساحة المواجهة .. و ليس بارات الرقص أو طاولات الساسة و عفن التنازل ..!
اختصرت كل شعارات الأحلام المؤجلة ، و غافلت زمن الحصارات .. زنرت خضرها بعشق الوطن ، ولبت نداء الأهل و الأماكن المقدسة .. التي تستباح من قبل المحتل جهراً ، و أمام أعين العالم الغرب الذي يدعي دفاعه عن حقوق الإنسان .. إلا عن أرض فلسطين … فعانقت الشهادة بشرف البطولي لم يعرفه تاريخ البشرية ، أثبتت أن أصحاب الأرض على استعداد لقبول أي شيء في سبيل الوطن إلا تفريغ الأرض من أهلها .. و تركها للصهاينة الغاضبين ….!!
تخرج أوراقك من جديد ماذا تكتب …؟ في زمن باتت الكلمات خجلى من عيون الصبايا .. تقيدها قوانين الحجر .. تستنجد بالأمل ينبثق كفجر منتظر لهؤلاء المتمسكين بالثوابت ، يقدرون بإجلال قيمة الشهادة و الشهداء .. على اتساع الوطن .. لكل هؤلاء مازلنا نكتب أن الشعوب من حقها أن تحلم .. و أن تنشد حريتها ..و تدافع عن أرضها و كرامتها بكل الوسائل المتاحة …
و أن تربية الأجيال على عشق الوطن أساس أي علوم متقدمة .. و أن التاريخ – مهما طال انتظارنا – سيثبت أن أحلام الشعوب أبدا لا تموت …